مأزق نتنياهو

 رياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي

 


بينما يترقب العالم اتفاقات مجمدة وسيناريوهات تهدئة لا تتعدى الحبر على الورق، تكشف التحركات الإسرائيلية الأخيرة في جنوب لبنان عن استراتيجية أعمق بكثير من مجرد خرق بروتوكولي أو تصعيد عابر. من منظور التحليلات الاستراتيجية الغربية والعربية على حد سواء، لم يعد الجنوب اللبناني مجرد جبهة مواجهة موقتة، بل تحوّل إلى جغرافية اختبار لمفهوم "العقيدة الأمنية الجديدة" التي تتبناها تل أبيب. هذه العقيدة تقوم على فكرة بسيطة وحاسمة: حماية الحدود لا تتم عبر الضمانات الدبلوماسية، بل من خلال فرض "مناطق حزام أمني" عبر القوة النارية الغاشمة وقضم الأراضي التدريجي.
القصف المكثف الذي يستهدف النبطية وتلة علي الطاهر يمثل جوهر هذه الممارسة. التحليلات العسكرية تشير إلى أن الهدف المباشر ليس مجرد ضرب بنيوية عسكرية لحزب الله، بل تقويض مقومات الحياة اليومية وجعل القرى والمدن الجنوبية بيئة غير قابلة للسكن. هذا التكتيك، الذي يتقاطع فيه البعد العسكري بالبعد الديموغرافي، يفرض واقعاً تهجيرياً صامتاً يحقق لتل أبيب منطقة عازلة عملياً دون الحاجة لإعلانها رسمياً في أروقة التفاوض.
وعلى الصعيد الداخلي، يرتبط هذا التصعيد العسكري بشدة بالداخل الإسرائيلي. مع الاقتراب من انتخابات الكنيست، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطاً هائلة من سكان مستوطنات الشمال الذين يرفضون العودة دون الحصول على أمن مطلق. من هنا، يصبح ضرب العمق الجنوبي للبنان ورقة سياسية رابحة تمنح الحكومة هامشاً لإظهار الردع وحشد الأصوات اليمينية، وتؤكد للمستوطنين أن الجيش لا يزال يمسك بزمام المبادرة.
تُظهر قراءة السلوك الإسرائيلي أن التفاوض الدبلوماسي الحاصل ليس سوى غطاء لإدارة الوقت وتأمين غطاء سياسي للاستمرار في التمدد الميداني. المبدأ الحاكم لرئاسة الأركان الإسرائيلية اليوم يعتمد معادلة مفادها أن السيطرة العسكرية المباشرة وتفكيك البيئة المجتمعية في غزة والضفة والجنوب اللبناني هي الحصن الوحيد للبقاء. وبذلك، يتحول الجنوب إلى حلقة جديدة ضمن رؤية إقليمية أوسع تسعى لإعادة رسم خرائط الحدود بالسياسة والنار في آن واحد.

اخبار ذات صلة

ارسال التعليق