الدولار.. الشريك الصامت وسيد الضجيج
نورا المرشدي / كاتبة عراقية
لم يعد الدولار مجرد ورقة نقدية تُتداول بين الأيدي لغرض البيع والشراء بل تحوّل بهدوءٍ مريب إلى بطلٍ خفيّ يتسلل إلى أدق تفاصيل حياتنا. يظهر حيث لا يُفترض أن يكون ويختفي حين نحاول مساءلته عن الخراب الذي يخلّفه. هو كيانٌ صامتٌ كورق لكن أفعاله تملأ دنيانا بالضجيج.
لا يتكلم لكن تُحسم به أهم القرارات وتُبنى عليه أواصر العلاقات وتُرتكب باسمه أخطاء وخطايا لا تُغتفر. في الأسواق هو الحكم الفاصل وفي السفر هو جواز العبور غير المكتوب الذي يفتح الأبواب الموصدة وفي الأزمات يتحول إلى معيارٍ قاسٍ للطمأنينة أو الخوف.
نطلبه حين نريد ثم نكتشف بمرارة أننا نحن من أصبحنا نُطلب له؛ نركض خلفه لاهثين ونقيس به قيم الأشياء وأحيانًا — للأسف — قيم البشر.
حتى لغتنا اليومية لم تسلم من سطوته فقد صاغ قاموسًا جديدًا يتماشى مع هيمنته. تروي امرأةٌ مسنّة في مفارقة تعكس رثاءً لزمن البراءة أنها حين أرادت عاملةً تُعينها في كبرها قيل لها: “تكلف دفتراً”. ضحكت السيدة ببساطة قلبها، وقالت باستغراب: “دفتر؟ وماذا تعمل بالدفتر؟ الدفاتر موجودة عند الأولاد!”
لم تدرك تلك الروح النقية أن “الدفتر” لم يعد ورقًا يُسطَّر عليه العلم وتُحفظ فيه الذكريات بل أصبح اسمًا مستعارًا للمال ووجهًا آخر للدولار ولغةً جديدة لا يفهمها إلا من اعتاد حساب كل شيء بلغة الأرقام الجافة.
في تلك اللحظة لم تكن الحكاية مجرد سوء فهم لكلمة بل كانت تجسيدًا لزمنين يفصل بينهما الكثير: زمنٌ كانت فيه الأشياء تُسمّى بأسمائها الحقيقية، وزمنٌ أصبحت فيه المعاني تُخفى وتُشوَّه لتواكب عالمًا تغيّرت فيه بوصلة الأولويات.
ولم يكتفِ هذا الشريك الخفي بتغيير الأسعار وطريقة تفكيرنا بل توغّل ليصبح شريكًا في أبشع الجرائم. طغى بريقه على الفطرة السليمة حتى رأينا من يقتل أباه أو أمه من أجله مستبيحًا أقدس الروابط الإنسانية قربانًا لورقة.
لقد فكك ما ربطته السماء وأثبت أنه الشريك الأكثر تدميرًا للنفوس. حتى في أروقة الألم حين يخذل الجسد صاحبه ويصبح في أمسّ الحاجة إلى الرحمة، يقف الدولار كحارسٍ بيده مفاتيح الشفاء فالمرض لا يفرق بين غني وفقير، لكن هذا البطل الصامت هو من يقرر من يمتلك ترف العلاج ومن يُترك وحيدًا لمواجهة مصيره.
وهكذا أعاد هذا الشريك تشكيل علاقتنا بكل شيء حتى بات حاضرًا في كل زاوية من زوايا حياتنا. هو سيد التناقضات؛ يُودَع بصمتٍ في خزائن مظلمة وحسابات باردة، لكنه يصنع في الخارج ضجيجًا مرعبًا من الحرمان والطمع والدموع والحروب.
لقد تحوّلنا من سادة لهذه الورقة إلى أسرى في سجنها الواسع ندفع ضريبة هذا الشريك الصامت من رصيد إنسانيتنا ونتأمل ما خسرناه من أشياء ثمينة بينما كنا منشغلين جدًا بحساب ما كسبناه.

ارسال التعليق