العراق أمام أخطر أزماته المائية : الدولة بلا استراتيجية واضحة والأنهار تذوي بصمت!
ندى سلطان
ندى سلطان/شاعرة وكاتبة عراقية
أشرت يوم أمس في منشور على منصة الفيسبوك عن أزمة المياه التي تواجه العراق ومخاطر جفاف نهري دجلة والفرات ،وأن دول المنبع (تركيا وإيران) ، قد أعلنتا في وقت مبكر من هذا العام عن حالة الطوارئ المائية لانخفاض مخزون المياه والعراق لا يزال متفائلاً ، وقد أكدت ذلك شواهد كثيرة ومقاطع فيديو مصورة لأجزاء من اليابسة أظهرت قاع نهر دجلة وأجزاء كبيرة من نهر الفرات تحولت بفعل شحة المياه إلى كتل طينية ومساحات يابسة .. ما يشير إلى أن الكارثة المائية باتت وشيكة وأن هناك ما سنعجز عن حله من المشاكل التي بدأت تظهر بجفاف الأنهار!
شهد العراق منذ أعوام أزمة مائية متصاعدة تهدد بقاء موارده الزراعية والغذائية، وتنعكس على الاقتصاد والمجتمع والأمن الوطني... إذ لم تعد المشكلة مرتبطة بشح الأمطار أو بتقلبات المناخ، بقدر ارتباطها بتراكم الفشل الإداري وضعف سياسات الدولة في حماية حصصها المائية وإدارة ما تبقى منها... إذن، الأمر لم يعد مرتبطاً بالمناخ فقط بل بسيادة العراق بوصفه دولة شريكة مع دولتين جارتين في المنسوب المائي....وأن منسوب دجلة والفرات لم يعد ظاهرة طبيعية وهو نتيجة مباشرة لمشاريع السدود التركية والإيرانية التي قلصت واردات العراق المائية إلى أقل من نصف ما كانت عليه في التسعينيات.
البلاد تواجه اليوم عجزاً حقيقياً في تأمين المياه للزراعة والشرب والطاقة، مع غياب خطط استراتيجية طويلة الأمد، وانشغال المؤسسات الرسمية بالحلول الوقتية والترقيعية من جهة ، وانشغال الدولة وتسخير مقدراتها في الأشهر الثلاثة الأخيرة للانتخابات!
لذلك فالنتائج باتت واضحة ، منها تراجع الإنتاج الزراعي و زيادة نسب التصحر و نزوح آلاف العائلات من الأرياف إلى المدن، وارتفاع الاعتماد على الاستيراد في تأمين الغذاء.... ألا ينتبه المسؤولون عن ملف المياه أنها أزمة وجودية تمس حياة المواطن اليومية لا مجرد ملف بيئي يمكن تأجيله ؟
على الرغم من وضوح حجم الكارثة، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في تحويل الملف المائي إلى أولوية وطنية... فالمفاوضات مع تركيا وإيران بقيت شكلية ومحصورة في لجان فنية بلا تأثير سياسي أو اقتصادي! ولم يستخدم العراق بعد ولأسباب لا نعرفها أوراق قوته الحقيقية التي تتمثل في (موقعه الجغرافي، وحجمه الاقتصادي، وسوقه الاستهلاكية التي تعتمد عليها أنقرة وطهران بدرجة كبيرة)... ماذا ننتظر ؟ لا أدري!
أما على المستوى الداخلي، فلا وجود لإدارة موحدة للملف المائي...الوزارات تعمل منفصلة عن بعضها ، والخطط الحكومية قصيرة النظر وتفتقر إلى رؤية واضحة لإدارة الموارد أو لاستثمار مياه الأمطار والمياه الجوفية أو لإصلاح شبكات الري المتهالكة التي تهدر ما يقارب نصف الإطلاقات المتاحة. في مقابل ذلك تواصل تركيا تنفيذ مشروعها المعروف بـــ (جنوب شرق الأناضول) الذي يضم عشرات السدود على نهري دجلة والفرات دون اتفاق ملزم مع العراق لتقاسم المياه! أما إيران... فأقدمت على تحويل مجاري عدة أنهار حدودية نحو داخل أراضيها وقطعت الماء عن العواق بينما مازالت تتنعم بخيراتنا ، ما تسبب بجفاف مناطق واسعة في ديالى والبصرة وميسان والأهوار على وجه الخصوص ..
ورغم كل هذه المشاكل الواضحة لم تُفعل أي آلية دولية للرد أو التوثيق أو الضغط الدبلوماسي! لأن العراق لا يملك اليوم سياسة مائية خارجية بالمعنى الحقيقي ولا رؤية واضحة في التعامل مع دول المنبع وفق القانون الدولي أو عبر المؤسسات الأممية المختصة، هذا الغياب الذي منح البلدين الجارين مساحة أوسع للتحكم بمصير النهرين ومصير البلاد معاً.
على الحكومة العراقية أن تعي ماذا يعني أن الجفاف يهدد الآن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، فكل موسم زراعي خاسر يعني زيادة البطالة وانكماش الدخل القومي وارتفاع الأسعار واتساع الهجرة الداخلية... كما أن تراجع الإنتاج المحلي يربط الأمن الغذائي العراقي بالاستيراد ما يجعله رهينة تقلبات السوق العالمية والأزمات السياسية الخارجية!
عليها أن تفهم أن الأزمة المائية في العراق لم تعد مسألة موارد بل قضية أمن قومي (تمس السيادة مباشرةً) فحين تفقد الدولة قدرتها على تأمين الماء والغذاء، تفقد تلقائياً جزءاً من استقلال قرارها السياسي والاقتصادي.
وبالاستناد إلى عدة بحوث وتقارير نضع بين أيديكم بعض الحلول التي كان يمكن للعراق وضعها بدل انشغال الحكومة بالانتخابات او حتى تأجيلها لحل هذه المشاكل أو استبدال بعض المشاريع بمشاريع السدود المهمة ومنها :
١. تحويل الملف المائي إلى ملف سيادي يُدار من قبل رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية لا قضية فنية عابرة تعمل عليها لجان كسولة .
٢. تفعيل الدبلوماسية المائية في الأمم المتحدة والجامعة العربية لتدويل حقوق العراق في الأنهار المشتركة والاستفادة منها أسوةً بدول المنبع.
٣. استخدام الأدوات الاقتصادية كورقة ضغط في التبادل التجاري مع تركيا وإيران، وربطها بالتزامات مائية واضحة وبصورة مباشرة وغير خاضعة للمجاملات.
٤. إصلاح البنية الداخلية للقطاع المائي عبر تحديث أنظمة الري وإقامة السدود الصغيرة واستثمار مياه الأمطار بالشكل الذي يجعلنا آمنين تجاه ملف المياه .
٥. إطلاق برنامج وطني للمياه يضم الأكاديميين والخبراء المستقلين من غير الخاضعين لأحزاب وأجندات لوضع سياسة شاملة لعقدين قادمين على الأقل.
وحلول أخرى كثيرة تجعل العراق آمناً أمام مخاطر جفاف الأنهار الذي يهددنا اليوم بصورة مرعبة، لأن ما يواجهه العراق اليوم ليس جفافاً طبيعياً بل نتيجة مباشرة لغياب الإرادة السياسية وضعف التخطيط الاستراتيجي... واستمرار هذا النهج يعني (أن مستقبل البلاد الزراعي والاقتصادي سيكون رهينة الخارج) وأن المياه قد تتحول قريباً إلى أداة ضغط تمس الأمن الوطني من جذوره.. وعليه فإن الوقت لم يعد يسمح بالمجاملة أو الانتظار.
إما أن تُدار المياه بعقل الدولة، أو تُدار الدولة على عطشها.

ارسال التعليق