من الشطرة إلى برلين: فلسفة الوقوف أمام هيغل

رياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي

 


ليست الأماكن التي نقف أمامها مجرد حفر في جغرافيا الأرض، بل هي في كثير من الأحيان منصات صامتة لنطق الرؤى وتجسير التواريخ. حين يقف سياسي قادم من أطراف "الشطرة"، تلك التربة المتصلة بـ "أور" والناصرية حيث شُيّد أول الحروف وخطت البشرية أولى خطواتها نحو المعرفة والعقل، أمام ضريح الفيلسوف الألماني "جورج فيلهلم فريدريش هيغل" في برلين، فإن المشهد يتجاوز كونه صورة بروتوكولية عابرة ليغدو حركة فكرية صامتة تحمل في طياتها احتفاءً بالمعرفة وأكثر مما تقوله الخطابات.
هيغل، الفيلسوف الذي جعل من التناقض والصراع المحرك الأساسي لحركة التاريخ والوعي، ورأى أن الدولة الحديثة القائمة على القانون هي تجسيد الأخلاق والملاذ الأخير لحرية الإنسان المعقولة، ينبهنا بوجوده الحي في ذاكرة العصر إلى أن الأمم لا تُبنى بالصدف. إن الوقوف على ضريح هيغل يستدعي في ذواتنا تساؤلاً شجياً عن أضرحة نخبتنا من العلماء والشعراء؛ أين تتوزع اليوم مراقد قاماتنا العظام كـ السياب، والجواهري، وعريان السيد خلف، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري ومظفر النواب، وغيرهم ممن أضاءوا الوعي العربي؟ إن الاحتفاء برمزية المزارات الفكرية في الخارج يضعنا أمام مسؤولية استذكار أضرحة رموزنا الوطنية وحمايتها لتكون مزارات تجديد للذاكرة والوفاء.
إن وقوف ابن طين سومر أمام ضريح فيلسوف الجدلية يذكرنا بمسار طويل من الشك والمراجعة، مسار يمتد من ديكارت وسبينوزا إلى نقاد الفكر الغربي في مدرستنا الوطنية والدينية، كمناقشة الشهيد محمد باقر الصدر لمنهج الديالكتيك؛ مما يؤكد أن حوار الشرق والغرب، والذات والنقيض، هو قدر مجتمعات تبحث عن العافية والنهوض. والشعوب الواثقة من قيمها الجليلة لا تخاف الفكرة ولا ترتعد من كتاب أو قصيدة، لأن قيمها راسخة ومحفورة في عمق التاريخ، ترعاها بيئة قانونية تبحث عن الدليل والوثيقة لا ذهنية الوصم والاتهام السريع.
تقتضي ثقافة القيادة الحقيقية الاحتفاء بالمفكرين وعدم الاستغناء عن الأحياء منهم، وإعطاء أصحاب الطليعة والوعي فرصتهم في إدارة المؤسسات ورسم الملامح القادمة؛ فازدهار الأمم الحية يستند بالأساس إلى رعاية طليعتها الفكرية. مات هيغل في جسده، لكن الفكرة التي انطلقت لم تمُت، وضريحه يذكر كل من يقف أمامه بأن التاريخ لا يرحم الفراغ، وأن التغيير والوعي هما البوابة الوحيدة لبناء مستقبل يستحق تاريخ الحرف الأول الذي انطلق يوماً من صحرائنا وخيوط شمسنا الأولى.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق