هوس اللسان المستعار
ندى سلطان
ندى سلطان /شاعرة وكاتبة عراقية
كتبت يوم أمس منشوراً على منصتي في الفيسبوك... أسأل فيه سؤالاً نقدياً موجهاً ، أنت عراقي ، لماذا تقول (لحتى) و (شو) و (عن جد) ؟ هذه المفردات المنتقاة من لهجات عربية شامية لا تمت للهجة العراقية بصلة ، وقد جاءت الآراء متباينة لكن غالبيتها رفضت هذا التداخل بين اللهجات واعتبرته هجراً للهجة العراقية الأصيلة... وهو ما أردت معرفته قبل الشروع في كتابة هذا المقال الذي أظنه مهماً ويضرب في عمق البنية الثقافية لمجتمعنا.... حيث لم تعد اللغة وسيلة تواصل أكثر من كونها وسيلة استعراض.. ولم يعد بعض الناس يتكلمون ليُفهَموا وإنما ليُظهروا أنهم (من طبقةٍ أعلى) .... صار لسان العراقي في المقاهي والجامعات ومواقع التواصل مزيجاً من بقايا لهجات ومصطلحات أجنبية وعربية لا تشبه العراق في شيء!
ولهذا نرى جيل ما بعد 2003 او كما نسميه الجيل الجديد، وبعض من يزعمون أنهم (نخب شبابية مثقفة) استبدلوا لسانهم الأصلي بلغة هجينة نصفها إنجليزي ونصفها شامي، خالية من الطابع المحلي والوعي التاريخي.... إذ تسمع أحدهم يقول: كيفك حبي؟ عن جد الجو رهيب! أو أوكي ماشي خل نروح نسوي أبديت للموبايل، والمحزن جداً بالنسبة لي استبدال كلمة السفرطاس الجميلة التي كان أجدادنا يستخدمونها ويستخدمها الآباء والأمهات حتى اليوم استبدلت ب(لانج بوكس) !! هذا النموذج اللفظي المسخ صار شعار الحداثة الزائفة ومؤشراً على ما يُسمى التحضر!
لكن أي تحضرٍ هذا الذي يبدأ بالتنكر للذات؟ كيف يمكن لإنسانٍ أن يتحدث بثقة عن (هوية وطنية) بينما يخجل من نطق كلمة (شلونك) أو (يُمه) أو (عفية) وغير ذلك من المفردات التي تشعر بملوحتها العراقية الأصيلة ؟
اللغة ليست زينة تتبدل مع الموضة بقدر ما هي نظام ثقافي متكامل ودليل راسخ على الانتماء للوطن، ولهجتنا العراقية ليست لهجة فوضوية كما يتوهم بعض من سقط في فخ التبعية اللسانية، بل هي واحدة من أكثر اللهجات العربية تماسكاً وغنى.... فيها من السومرية والأكدية والعربية والفارسية ما يجعلها نتاج حضارة لا لهجة سوق... ومن يتركها يترك تاريخاً لغوياً يضرب بجذوره في آلاف السنين!
إنَّ ما يفعله كثير من شباب اليوم هو فقدان للانتماء عبر اللسان... فحين يستبدل العراقي كلماته الأصيلة بمصطلحات دخيلة (سليبر) بدلاً من (نعال) أجل الله القارئ و (هاينك) بدلاً من (بلوزة برقبة) و(شاور) بدلاً من (استحمام) فإنه لا يغير بذلك لغته فقط وإنما يغير موقفه من نفسه... إنه يقول... من حيث لا يدري : (أنا لا أريد أن أبدو عراقياً)!
إنه انتحار لغوي بطيء تمارسه فئة تتوهم أن التحدث بلهجات الآخرين يمنحها مكانةً ثقافية والنتيجة : ألسُن مشوهة وأفكار ممسوخة وأجيال لا تعرف من أين جاءت كلماتها ولا كيف تُقال....
يُؤسفني أن أرى اليوم شاباً عراقياً لا يستطيع إكمال جملة واحدة دون استعارة مصطلحات من لهجاتٍ أخرى، كأن اللسان العراقي أصبح في نظره عتيقاً غير لائق بالعصر.. أما الفتيات اللواتي يُدرن الحوارات اليومية بعبارات شامية، فهُنَّ لا يعلمنَ أنهن يكررن ما يسمعنه في المسلسلات لا في البيوت العراقية... يتحدثن كما يُكتب الحوار لا كما يمكن أن نعيش بطريقتنا المعتادة في الحياة...
قبل يومين شاهدت البث الكامل لافتتاح المتحف المصري الكبير، وقد آلمني ما شاهدته من كمية الفخر والاعتزاز الذي يشعر به المصريون من ارتداء الزي الفرعوني القديم ومن التحدث والغناء بلغتهم القديمة كما وأدهشني أن ملايين المصريين قاموا بتغيير صور حساباتهم الشخصية إلى قوالب فرعونية إعتزازاً منهم بهذا الانتماء لحضارة عريقة ، فأين نحن من هذا الانتماء؟ وأين نحن من الاعتزاز بحضارتنا ولغتنا ولهجاتنا ؟ وهناك ممن تمت دعوتهم من رؤساء الدول ارتدوا زيهم الثقافي والفلوكلوري وهم يحضرون الافتتاح وهم (رؤساء دول)!!!
المشكلة أعمق من مجرد لهجة إنها مشكلة وعي....فاللغة ليست وسيلة للتفاهم فحسب بل أداة للمكانة الاجتماعية... وهؤلاء الذين يخلطون لهجاتهم وكلماتهم يفعلون ذلك لأنهم يسعون إلى الهروب من طبقتهم الثقافية الأصلية، يريدون أن يبدوا (حضريين) ، (متمدنين) ، (مفتوحين على العالم) غير مدركين أن هذا (الانفتاح) ليس إلا تبعية صوتية وأنهم في سعيهم إلى (التمدن) صاروا مجرد مقلدين للهجات من خلف الحدود!
اللهجة العراقية ليست لهجة خشنة كما تتصورون ، هي لهجة فصيحة في جذورها، مدنية في تراكيبها ، راقية في موسيقاها.... هي لهجة مدن أنتجت الشعر والمسرح والصحافة ، ولهجة عاصمة كانت مركزاً للتنوير العربي الفكري والإنساني. لكن هؤلاء (المتأنقين لغوياً) لا يريدون أن يروا ذلك لأنهم يقيسون الثقافة بمقدار ما يُمكن أن يُقال بلكنة أجنبية أو شامية...
المفارقة أن من يرفض لهجته باسم (التحضر) يعيش في بلدٍ دُمر باسم التقليد ذاته... استيراد كل شيء من الخارج حتى طريقة الكلام... وقد لا يفهمون أن ما يحدث هو شيوع ثقافة الاستبدال التي بدأت بالمنتج واستقرت في اللسان!!
ولا يظن البعض أن الدفاع عن اللهجة العراقية نتاج نزعة محلية ضيقة بل هو دفاع عن هوية فكرية وتاريخية... ومن يظن أن اللهجة العراقية (سوقية) إنما يكشف بهذا جهله قبل أن يكشف ذائقته... إنها لهجة تحمل تراثاً مدنياً متقدماً لهجة العراق الذي كان وسيبقى مركزاً للعلم والنور...
إن المثقف الحقيقي لا يهرب من لهجته ويبذل ما باستطاعته ليرفعها إلى مستوى التعبير الراقي....فاللهجة لا تُعيب المثقف بقدر ما تمنحه هويته الخاصة التي يتميز بها عن غيره أما من يخلط كلامه بلغة الآخرين ظناً أنه يصبح (كونياً) فإنه في الحقيقة كائن ضائع لا ينتمي إلى أي مكان.... وللأسف فإنَّ ما نراه اليوم في ألسنة كثيرين ليس تطوراً لغوياً أقرب من كونه انهياراً في المعنى وكسل في الانتماء... وأن العراقي لا يُطلب منه أن ينزوي وينغلق على نفسه بل وعلى العكس تماماً يجب أن يتكلم بصوته... بكلماته، بلهجاته، الشمالية منها والوسطية والجنوبية... أن يعرف أن (شلونك) ليست أقل تحضراً من (كيفك) ، وأن (تمام) ليست أدنى من (أوكي)... فالكلمة ليست في نطقها بل في وعي قائلها.... ومن لا يحترم لهجته... لا يستحق أن يتحدث عن هوية.... ولا عن وطن!

ارسال التعليق